الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
413
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
عباس أمثلهما إسنادا ، فإن توقى أحد الحجامة كان أحب إلىّ احتياطا ، والقياس مع حديث ابن عباس . والذي أحفظ عن الصحابة والتابعين وعامة أهل العلم أنه لا يفطر أحد بالحجامة ، انتهى . وأول بعضهم حديث « أفطر الحاجم والمحجوم » أن المراد به أنهما سيفطران ، كقوله تعالى : إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً « 1 » ، أي ما يؤول إليه . ولا يخفى بعد هذا التأويل . وقال البغوي في « شرح السنة » معناه : أي تعرضا للإفطار ، أما الحاجم فإنه لا يأمن من وصول شيء من الدم إلى جوفه عند مصه ، وأما المحجوم فإنه لا يأمن من ضعف قوته بخروج الدم ، فيؤول أمره إلى أن يفطر . وقيل : معنى أفطرا : فعلا مكروها وهو الحجامة ، فصارا كأنهما غير متلبسين بالعبادة . وقال ابن جزم : صح حديث « أفطر الحاجم والمحجوم » بلا ريب ، لكن وجدنا من حديث أبي سعيد « أرخص النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في الحجامة للصائم » « 2 » وإسناده صحيح ، فوجب الأخذ به ، لأن الرخصة إنما تكون بعد العزيمة ، فدل على نسخ الفطر بالحجامة ، سواء كان حاجما أو محجوما . انتهى . والحديث المذكور ، أخرجه النسائي وابن خزيمة والدّارقطني ، ورجاله ثقات ، ولكن اختلف في رفعه ووقفه ، وله شاهد من حديث أنس عند الدّارقطني ولفظه « أول ما كرهت الحجامة للصائم أن جعفر بن أبي طالب احتجم وهو صائم ، فمر به رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : « أفطر هذان » ، ثم أرخص رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بعد في الحجامة للصائم ، وكان أنس يحتجم وهو صائم . ورواته كلهم من رجال البخاري إلا أن في المتن ما ينكر ، لأن فيه أن ذلك كان في الفتح ، وجعفر كان قتل قبل ذلك . ومن أحسن ما ورد في ذلك ، ما رواه عبد الرزاق وأبو داود عن
--> ( 1 ) سورة يوسف : 36 . ( 2 ) رواه البزار والطبراني في الأوسط ، ورجال البزار رجال الصحيح ، قاله الهيثمي في « المجمع » ( 3 / 170 ) .